يلتقي منتخبا فرنسا والمغرب، اليوم الخميس، في ربع نهائي كأس العالم 2026، في مواجهة لا تقتصر رهاناتها على المستطيل الأخضر، بل تمتد إلى روابط تاريخية وإنسانية عميقة تجمع البلدين منذ عقود.
وتحضر في هذه القمة المونديالية خيوط كثيرة من التاريخ والهجرة واللغة والعائلة والصداقة، من اللاعبين المغاربة الذين ولدوا ونشأوا في فرنسا، إلى العلاقة الوثيقة التي جمعت كيليان مبابي بأشرف حكيمي خلال فترة زمالتهما في باريس سان جيرمان.
وفي وقت تستعد فيه فرنسا لتطبيق إجراءات أمنية مشددة قبل المباراة وأثناءها وبعدها، تمنح مدينة بوسطن هذه المواجهة طابعاً أكثر حميمية، باعتبارها مباراة تجمع بلدين تتداخل مساراتهما التاريخية والإنسانية بشكل واضح.
وخضع المغرب للحماية الفرنسية بين عامي 1912 و1956، وظلت العلاقات بين البلدين قوية في مجالات التعليم والأعمال والهجرة، بينما شكلت كرة القدم واحدة من أبرز ساحات هذا التداخل.
ويضم المنتخب المغربي ستة لاعبين ولدوا في فرنسا، في حين خاض عدد آخر من عناصره تجارب داخل الدوري الفرنسي أو تدرجوا في مراكز تكوين تابعة لأندية فرنسية، قبل اختيار تمثيل المغرب دولياً.
وتعكس هذه المسارات عمق الترابط الرياضي بين البلدين، كما تبرز قدرة المغرب على الاستفادة من أبناء جاليته في بناء منتخب قادر على المنافسة في أعلى المستويات العالمية.
ويعد أيوب بوعدي من أبرز الأمثلة على هذه الهوية الكروية المزدوجة، بعدما ولد في فرنسا، وتطور داخل نادي ليل، ومثل منتخبات فرنسا السنية، قبل أن يقرر الدفاع عن ألوان المغرب.
وتدخل فرنسا، بطلة العالم 2018، المباراة باعتبارها إحدى القوى التقليدية في كرة القدم العالمية، مستندة إلى خبرتها الكبيرة في البطولات الكبرى وترسانتها الهجومية القادرة على قيادتها نحو لقب جديد.
أما المغرب، فيخوض البطولة بثقة متزايدة، بعد أربع سنوات من إنجازه التاريخي كأول منتخب إفريقي يبلغ نصف نهائي كأس العالم. ولم يعد “أسود الأطلس” يُنظر إليهم كمفاجأة عابرة، بل كمنتخب قادر على مقارعة كبار اللعبة.
وكانت مواجهة المنتخبين في كأس العالم 2022 بقطر، والتي انتهت بفوز فرنسا 2-0، قد حملت الكثير من المشاعر، لكنها تميزت أيضاً بقدر كبير من الاحترام المتبادل. فقد حظي المنتخب المغربي بإعجاب واسع بفضل مساره التاريخي، بينما عكست تشكيلة فرنسا مجدداً الطبيعة متعددة الثقافات التي طبعت كرة القدم الفرنسية لعقود.
أجواء خاصة في بوسطن
تمنح بوسطن هذه المواجهة بعداً مختلفاً، فالجالية المغربية هناك أصغر حجماً مقارنة بنظيرتها في المدن الفرنسية، لكنها حاضرة وراسخة عبر شبكة من الأسر والطلاب والمهنيين وأصحاب الأعمال.
وبالنسبة إلى كثير من المشجعين، لا تبدو مباراة ربع النهائي مناسبة للانقسام بين معسكرين متنافسين، بقدر ما تبدو فرصة للاحتفال المشترك بكرة القدم.
وقال محمد السعدي، وهو سائق أجرة يبلغ من العمر 57 عاماً: “بعض الناس يعيشون في المبنى نفسه، وسيشاهد الفرنسيون والمغاربة المباراة معاً، ثم يتصافحون في النهاية”.
وأضاف: “لا يوجد أي توتر هنا. كرة القدم شأن عائلي، ومباراة فرنسا والمغرب لن تكون استثناء، بل على العكس تماماً”.
وفي متنزه بوسطن كومون، تجمع أكثر من ألف مشجع وهم يرددون هتافات “ديما المغرب” ويرفعون الأعلام في أجواء احتفالية سلمية عشية المباراة.
وقال يوسف بناني، مهندس برمجيات يبلغ من العمر 36 عاماً: “جئت خصيصاً من فنلندا. حضرت جميع مباريات المغرب في البطولة، وأعتقد أن هذا أفضل تجمع للمشجعين هنا”.
وأضاف: “التقيت بالكثير من المغاربة وبعض الفرنسيين أيضاً، وأتوقع أن تكون الأجواء بمثابة احتفالية كبيرة”.
وتغيرت النظرة العالمية إلى المنتخب المغربي بعد تطوره المستمر في السنوات الأخيرة. فلم يعد الفريق مجرد حصان أسود خطف الأضواء في مونديال 2022، بل أصبح منتخباً منظماً وواثقاً، قادراً على تطوير المواهب ومنافسة القوى التقليدية.
واستفاد المغرب من استراتيجية كروية جمعت بين تطوير اللاعبين محلياً واستقطاب المواهب التي نشأت وتكونت في أوروبا، ما منح المنتخب توازناً واضحاً بين الخبرة والطموح.
في المقابل، تدرك فرنسا جيداً صعوبة المهمة أمام منافس سريع ومنضبط وطموح. ورغم امتلاك “الديوك” واحداً من أقوى الخطوط الهجومية في البطولة، فإن فوز المغرب على كندا بثلاثية نظيفة أكد مجدداً أن “أسود الأطلس” يملكون كل المقومات لمواصلة الحلم والاقتراب أكثر من اللقب.





